النويري

305

نهاية الأرب في فنون الأدب

كلها وأولاها بذكرى ، وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي ، فإني اخترت مكانه يوم خلقت السماوات والأرض ؛ وقبل ذلك قد كان بعيني : فهو صفوتي من البيوت ، ولست أسكنه ، ولبس ينبغي لي أن أسكن البيوت ؛ ولا ينبغي لها أن تسعني ، ولكن على كرسىّ الكبرياء ولجبروت ؛ وهو الذي استقلّ بعزتي ، وعليه وضعت عظمتي وجلالي ، وهنالك استقرّ قرارى ؛ ثم هو بعد ضعيف عنّى لولا قوّتى ؛ ثم أنا بعد ذلك ملء كل شئ ، وفوق كلّ شئ ، ومحيط بكلّ شئ ، وأمام كلّ شئ ، وخلف كلّ شئ ، وليس ينبغي لشئ أن يعلم علمي ولا يقدر قدرتى ، ولا يبلغ كنه شانى . أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرما وأمنا ، أحرّم بحرماته ما فوقه وما تحته وما حوله . فمن حرّمه بحرمتي فقد عظَّم حرماتى ، ومن أحلَّه فقد أباح جرماتى ، ومن أمّن أهله فقد استوجب بذلك أماني ، ومن أخافهم أخفرنى في ذمتي ، ومن عظَّم شأنه عظم في عيني ، ومن تهاون به صغر في عيني ؛ ولكل ملك حيازة ما حواليه مما حواليه ، وبطن مكة خيرتى وحيرتي ؛ وجيران بيتي وعمّارها وزوّارها ، وفدى وأضيافى في كنفي وأفنيتى ، ضامنون على ذمتي وجوارى ؛ فأجعله أوّل بيت وضع للناس ، وأعمره بأهل السماء وأهل الأرض : يأتونه أفواجا شعثا غبر على كل ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق ، يعجّون بالتكبير عجيجا ، ويرجّون بالتلبية رجيجا ، وينتحبون بالبكاء نحيبا . فمن اعتمره لا يريد غيره ، فقد زرني ووفد إلىّ ونزل بي ؛ ومن نزل بي ، فحقيق علىّ أن أتحفه بكرامتي ؛ وحقّ على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه ، وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته . تعمره آدم من كنت حيا ، ثم تعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء : أمة بعد أمة ، وقرن بعد قرن ، ونبىّ بعد نبىّ ، حتّى ينتهى ذلك إلى نبىّ من ولدك وهو خاتم النبيين ، فأجعله من عمّاره وسكَّانه وحماته ، وولاته وسقاته ، يكون أميني عليه من كان حيا . فإذا انقلب إلىّ ،